المرابطون

مصطفى حمدان لـ”النشرة”: الحريري يأسر نفسه سياسياً في قفص سمير جعجع الذي تآمر عليه في الماضي القريب

  • ما السبب الحقيقي لعدم تشكل الحكومة حتى الساعة؟ هل من تعليمات خارجية تحول دون التشكيل؟

يحاول البعض دائماً في لبنان تغيير الجغرافيا السياسية والطبيعية لموقع لبنان في وسط الشرق الأوسط افتراضياً.

والكثير من الساسة اللبنانيين استناداً إلى بورصة مصالحهم الطوائفية والمذهبية والشخصية واللاوطنية، يجعل من لبنان جزيرة تشبه “فيدجي” في المحيط الهادي أو ملفاً من ملفات الدول المحيطة وإقليمياً وأجنبياً.

وهذا الواقع المؤلم اليوم يتجلّى بأبشع صوره السياسية الواقعية، الجميع يتبجّح بأننا انتخبنا رئيساً للجمهورية ووضعنا قانون انتخابات غريباً عجيباً لا مثيل له في العالم، وأسميناه قانون الطريق إلى النسبية وهو في حقيقة الحال الطريق إلى تعميق الانقسامات المذهبية والطائفية، وأصبح لدينا برلماناً مستحدثاً هو في حقيقة الأمر يمثل الغيتوات المذهبية زالطائفية في العقل السياسي اللبناني، حتى الاحصاءات لنتائج الانتخابات تطرح من زوايا طائفية ومذهبية بالنسبة لعدد الأصوات.

وبالتالي اليوم ما نراه من تعثر لانتاج الحكومة الأولى ما بعد الانتخابات النيابية هو امتداد لهذا الواقع السياسي الهشّ داخلياً، وتصبح رهانات الداخل على الخارج وأوامر الخارج إلى الداخل هي السبب الحقيقي لعدم تشكيل الحكومة اليوم وغداً ولربما إلى أشهر قادمة، استناداً إلى وقائع وتطورات المشهد الإقليمي المحيط بنا الذي يعكس صراعات دولية لا يستطيع أحد أن يحدد مداها الزمني لبلورة الصيغ والتسويات فيها.

لا شك أن هناك تعليمات خارجية متعددة المصادر تدعو الأطراف المرتبطة بها إلى عرقلة تشكيل الحكومة لاستخدام الملف اللبناني ورقة في رسم وقائع المشهد الإقليمي ورأس الحربة في تنفيذ هذه الأوامر أصبح واضحاً هو الثنائي “الجنبلاطي-الجعجعي”، ووائل وهبي أبو فاعور هو ضابط الاتصال مع السعودية.

  • كان لكم موقف متقدم حين طرح البعض امكانية سحب التكليف من الحريري، الا تعتقدون ان هناك اي مخرج دستوري لذلك؟

الواقعية السياسية تفرض على الجميع في مسار إدارة البلاد الالتزام بالدستور وتطبيقه بدقة حرصاً على عدم تضارب الصلاحيات، والوصول بالمنازعات المذهبية والطائفية على أعلى المستويات في تحمل المسؤولية الوطنية، إلى شعور أن طائفة تغلّبت على أخرى وبالتالي الدخول في دوامات الفوضى والأزمات التي تصل إلى ما لا يُحمد عقباه.

من هنا استناداً إلى دستور الطائف الذي يتغنون به جميعهم صبحاً ومساءً ويتّهمون بعضهم البعض بعدم التقيّد به عندما يشاؤون، والتوازن السياسي الوطني كما يفهمونه جهابذة الطوائفية والمذهبية في لبنان، أكدنا المؤكد أن ركيزتين دستوريتين هامتين لا يجب أن يتخطاهم أحد دستورياً لرئيس الحكومة:

أولاً: التكليف لرئيس الحكومة يستند إلى استشارات ملزمة هي أقرب إلى الانتخابات، وبالتالي لا يمكن بتاتاً سحب التكليف تحت أي ذريعة من الذرائع.

ثانياً: لا يوجد أي مهلة زمنية تفرض على رئيس الوزراء بتشكيل الحكومة العتيدة ولا مجال هنا لذكر السوابق في هذا الموضوع.

وبالتالي تسقط كل الفزلكات الدستورية المطروحة لوضوح ما سبق أن ذكرناه، المخرج الدستوري غير موجود شرعياً الآن، وعليهم إذا أرادوا في المستقبل واستطاعوا أن يعوّلوا ما نصّ عليه الدستور فيما يتعلق بتألف الحكومة ومسؤوليات رئيسها.

لولا عدم وجود هكذا تعليمات خارجية أو وجود أوامر خارجية لتأليف الحكومة لكانت شكلت خلال ساعات من تكليف الرئيس الحريري، وهذا ليس كلاماً لا أساس له من الواقعية إذ أن التاريخ السياسي اللبناني فيه الكثير الكثير مما سبق وذكرناه، وعوضاً أن يتسلح الرئيس الحريري بهذا الواقع الدستوري ويتحمل المسؤولية الوطنية بدعم من الرئيس ميشال عون الذي حرره من الأسر يوم اختطفه محمد بن سلمان، نراه يأسر نفسه سياسياً في قفص سمير جعجع الذي تآمر علية في الماضي القريب، وفي شباك وليد جنبلاط العنكبوتية التي لا تخدم إلا مصالح جنبلاط في دوره كخادم أمين للاملاءات الخارجية ابتداءً من مديره فيلتمان الأميركي إلى الجنرالات السعوديين الذين يديرون الدفة اليوم على صعيد الملف اللبناني خليجياً.

وهذا التقرب من الثنائي الجنبلاطي-الجعجعي المفشّل للإقلاع بتشكيل الحكومة اليوم استناداً إلى أوامر أميركية-خليجية  ترتبط جذرياً بما يرسم في منطقة الشرق الأوسط، يستنزف الدور الوطني المنتظر للرئيس الحريري والذي اصبح مثار شكوك وكلام عالي النبرة عن الوهن والضعف وقلة القدرة على التصرف سياسياً.

  • هل تحولت عملية التشكيل الى صراع على الصلاحيات بين عون والحريري؟

لا يجوز بتاتاَ في ظل التحولات الكبرى على الصعيد الإقليمي ولبنان في عين العاصفة والمحيطة بنا المشاركة لفرض متغيرات عظيمة في ساحة الشرق الأوسط، طرح أن هناك صراع على الصلاحيات بين الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري وعلى الأخصّ في عملية تأليف الحكومة العتيدة.

ولنا ملاحظات عما جرى في الأيام الماضية فس مسار التأليف بين الرئيس عون  والحريري:

أولاً: يجب عدم تقديم صيغة مكتوبة توزع الحصص على القوى السياسية اطلاقاً من معايير مذهبية وطائفية إذ تصبح هذه الورقة المكتوبة كإنها صفقة تبرم بينهما، فالصيغة يمكن أن يتشاور بها رئيس الحكومة كأفكار في توزيع في توزيع المقاعد الوزارية بين القوى السياسية.

من هنا كان الأفضل بعد التشاور مع فخامته بصيغة التوزيع يقدم دولة الرئيس سعد الحريري إلى رئيس الجمهورية، التشكيل الحكومي بأسماء الوزراء وبالتالي يتم الحوار والتشاور بينهما  حيث يحق لفخامته قبول تشكيلة الأسماء أو رفضها .

ثانياً: أخطر ما جرى في الأيام الماضية بكلام الصراع على كل الصلاحيات تحويل نقاش دستوري إلى متاريس طائفية ومذهبية تنعكس على سلباً على اصطفافات الواقع السياسي المهتزّ، وشعور المواطنين بعدم الأمان والخوف والحيرة من الأيام القادمة، وبالتالي يصبح من الصعب إذا لم تتطور الأمور بحصر هذا الصراع عن أبعاده الطائفية التي تهدد الصيغة الوطنية.

ثالثاً: من منطلق النسبية الوطنية لفخامة الرئيس عون ودولة الرئيس الحريري أن يلجموا كل من يحاول العبث بمسار التأليف، والإسراع بتشكيل الحكومة التي عليها أن تواجه وقائع الأزمات المعيشية والاجتماعية الخانقة التي يعيشها المواطنين.

4-  ما مصير ادلب وهل الملف اللبناني بات مرتبطا بالوضع هناك؟

إن الوقائع الميدانية والاستراتيجية العليا تؤكد المؤكد بأن إدلب قد دخلت في معادلات القوة، بين روسيا والجمهورية العربية السورية والحلفاء ضد الولايات المتحدة الأميركية والتوابع الأوروبيين ومن يعادي سورية من العرب هو بقايا الإرهاب.

واستناداً إلى مسار الإنجازات الميدانية للقيادة السورية والجيش العربي السوري خلال الأشهر الماضية، فإن كل الضجيج الإعلامي وقرقعة السلاح والمظاهر المتوترة التي شاهدناها في مراحل سابقة تؤكد لنا أن إدلب قد تسقط في غفلة من ساعة، خاصة أن كل المعلومات الاستخبارية تؤكد أن القيادات الإرهابية التي كانت تقود المعارك في إدلب، مثل المدعو محمد الجولاني الذي أصبح عهدة مشغليه الأميركيين أو المدعو أبو مالك التلة الذي عبر الحدود إلى تركيا وغيرهم من الإرهابيين، كما أن هناك معلومات دقيقة عن مقتل الكثير من قيادات الإرهاب الأجانب في سورية وعلى الأخص الإرهابيين المتأسلمين من الصين.

ومن المتوقع أن يحدّد مصير إدلب قريباً بالعودة إلى الوطن السوري، إلا إذا جنّ الجنون الأميركيين وقرروا خوض المعركة مباشرة عوضاً عن الإرهابيين وهنا تبدأ مرحلة جديدة من مراحل الصراع في سورية، لكن لا يمكن لأحد أن يحدد مداها الاستراتيجي والميداني.

بالطبع إن لبنان سيتأثر بتداعيات ما يجري ليس فقط في إدلب في الأيام المقبلة إنما بتطور الوقائع السياسية الميدانية في سورية.

ليدرك جميع المسؤولين في لبنان ورغم التقدير الكبير للمدير العام للأمن اللواء عباس ابراهيم عند القيادة السورية والقرار بإنجاح اللجنة اللبنانية-الروسية لإعاد النازحين.

إلا أن الكلام الواضح الذي نسمعه في سورية يؤكد أن العلاقات الأمنية والاقتصادية تنتج العلاقة السياسية السليمة بين البلدين، وبالتالي عدم دفن الرؤوس في التراب والنفاق الديماغوجي الشعبوي، وليكون المسار الطبيعي للعلاقات الأخوية الثنائية “حكومة بحكومة” لا بالمفرق إنما بالجملة ولبنان هو المستفيد من ذلك.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق